بابتسامة لا تفارقه، وروح مرحة تكسر هيبة العلم الجاف، استقبلني الباحث الدكتور لبيد عبد الله نجم السعد، لم يكن لقائي به مجرد مقابلة صحفية عادية، بل كان رحلةً في عقل رجل قرر منذ صباه ألا يضع حدوداً لعقله. في مكتبه، تشعر بالراحة والتشجيع، وتدرك من اللحظة الأولى أنك أمام شخصية تجمع بين التواضع الجم والمعرفة الموسوعية الغزيرة. "لا تسكتي… فكرتكِ قد تكون هي الحل" أكثر ما أثر فيّ خلال حديثي معه هي كلماته المشجعة التي قالها لي شخصيًا: "أي معلومة أو سؤال أو فكرة ببالكِ قوليها ولا تسكتي، فقد تكون الأفكار التي في بالكِ هي الحلول". هذه الجملة ليست مجرد نصيحة، بل هي فلسفة الباحث لبيد في تعامله معنا كطلاب؛ فهو لا يكتفي بالإجابة، بل يشرح لنا كل شيء بالتفصيل بأسلوب ممتع يجعلنا نخرج من الحوار ونحن نفهم أكثر بكثير مما سألنا عنه. الرجل الذي عاش حياتين في وقت واحد حكى لي الدكتور أن جملة واحدة سمعها في قاعة الدرس غيّرت مجرى حياته، عندما قال أستاذه إن عقل "ابن سينا" كان يعادل جامعة كاملة بكل كوادرها. من تلك اللحظة، اتخذ لبيد قرارًا "مجنونًا" في نظر البعض: "لماذا أحصر نفسي في علم واحد؟ سأتعلم كل شيء!". بدأت رحلته من ولعه بالحاسوب وهو طفل في الثالثة عشرة، حيث أتقن لغة (BASIC)، لكنه تخصص في الزراعة؛ وبعد أن أصبح أستاذًا يحمل الماجستير، عاش كشخصيتين لمدة أربع سنوات متواصلة؛ في الصباح هو الأستاذ في كلية الزراعة، وفي المساء هو الطالب على مقاعد كلية علوم الحاسوب. هذا الإصرار حوّله إلى "طبيب الشبكة" (Optimization Engineer) الذي تطلبه كبرى الشركات العالمية بالاسم. في شركة "زين"، كان يستخدم البرمجة والإحصاء ليحل مشاكل تقنية عجز عنها الجميع، حتى أن شركة (Huawei) كانت تستدعيه لحل أعقد مشاكل الراديو، وكان هو المسؤول عن صيانة السيرفرات العملاقة (Mainframes) وأنظمة (HP-UX Unix)، حيث كان يغير "الرامات" ويصلح الأجزاء الصلبة بنفسه. ذكاء التخطيط وأسرار "المطبخ" المرعبة في عام (2010)، وبدلاً من إضاعة الوقت، اختار الباحث لبيد طريقًا ذكيًا؛ حصل على شهادات (Cisco) الاحترافية التي تعادل الماجستير واجتاز الاختبارات بدرجة 90%. هذا التفوق كان بوابته لنيل الدكتوراه من إنجلترا عام (2016)، ليعود ويؤسس عام (2023) قسم "الأنظمة الطبية الذكية" (Intelligent Medical Systems) من الصفر. بشغف كبير، حدثني عن حربه ضد "السموم الخفية": سموم معجون الطماطم: كشف لي أن البقع السوداء في الطماطم تخفي سموماً لا يبطل مفعولها بالطبخ (تحتاج 400 درجة مئوية) وتتركز في "علب المعجون". وابتكر 9 طرق معالجة بيولوجية من "أعشاب المطبخ" للقضاء عليها، لكن البحث ظل حبيس الرفوف منذ عام (1998). إنقاذ الكبد بالخميرة: نجح في "قطع الطريق" جينياً على السم المسبب لسرطان الكبد (Aflatoxin B1) باستخدام مادة بسيطة: "خميرة الخبز". لغز عمليات شفط الدهون: فجر مفاجأة طبية بربطه بين سموم "التفاح المتساقط" التي تتراكم في دهون الجسم، وبين الوفيات المفاجئة في عمليات شفط الدهون، حيث تهاجم هذه السموم الأوعية الدموية عند إزالة الدهون. ضريبة النجاح والمتحف الذي "عاد من الموت" يروي الباحث لبيد بمرارة كيف توضع الأبحاث المنقذة للأرواح "على الرفوف" بسبب التنافس غير الشريف. لكنه لم ينكسر، بل نقل إبداعه للميدان؛ فحين تسلم "متحف التاريخ الطبيعي" المتهالك، حوله بجهده وعلاقاته إلى أيقونة استقبلت "مجلس اللوردات البريطاني" و"سفينة الكتب" الشهيرة، وجلب له محنطات نادرة مثل الدولفين الجانح وغيرها بالتعاون مع البحرية وحرس الحدود. نصيحة للإبداع: "لا تبحث وحدك!" يوجه نصيحة ذهبية لطلاب بحوث التخرج: "لا يمكنك أن تبدع وحدك". يرى أن الحاسوب والرياضيات والهندسة وغيرها من العلوم هي "أدوات"، والإبداع الحقيقي يحدث عندما تطبقها على مجال آخر، لذا ينصح بأن يكون مشرف البحث من تخصص مختلف لخلق أبحاث مبتكرة تجمع بين علمين أو أكثر. "سأموت وفي نفسي شيءٌ من حتى" خارج المختبر، الباحث لبيد هو فنان، خطاط، وصياد ماهر وحرفي مبدع، يتعلم من أسئلة طلابه التي ألهمته لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي (AI Image Processing) وغيرها من المشاريع والمواقع. نصيحته لكل شاب: "اقرأ ثم اقرأ… فالقراءة تعطيك ما لا يعطيك إياه السؤال". أما فلسفته فهي جملة منسوبة لسيبويه: "سأموت وفي نفسي شيءٌ من حتى"؛ تعبيراً عن طموحه الذي لا ينتهي ورغبته في تعلم المزيد حتى آخر لحظة. الباحث الدكتور لبيد السعد ليس مجرد أكاديمي، بل هو رسالة حية تقول: "لا تضع حدوداً لعقلك، فالإبداع يبدأ عندما تتحدى المستحيل، وعقولنا تتسع للمجرات إذا امتلكنا ال إرادة".